الشيخ محمد رشيد رضا

357

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والفساد ) واشترطوا فيها شروط سنشير إلى المهم منها . أما كون هذا النوع من العدوان محاربة للّه ولرسوله فلأنه اعتداء على شريعة السلم والأمان ، والحق والعدل الذي أنزله اللّه على رسوله ، فمحاربة اللّه ورسوله هي عدم الاذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق ، كما قال تعالى في المصرّين على أكل الربا ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وليس معناه محاربة المسلمين ، كما قال بعض المفسرين . فمن لم يذعنوا للشرع فيما يخاطبهم به في دار الاسلام « 1 » يعدون محاربين للّه ورسوله عليه السّلام ، فيجب على الامام ، الذي يقيم العدل ويحفظ النظام ، ان يقاتلهم على ذلك ( كما فعل الصديق رضي اللّه عنه بمانعي الزكاة ) حتى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر اللّه ، ومن رجع منهم في أي وقت يقبل منه ويكف عنه . ولكن إذا امتنعوا على امام العدل المقيم للشرع ، وعثوا إفسادا في الأرض ، كان جزاؤهم ما بينه اللّه في هذه الآية . فقوله تعالى « وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً » متمم لما قبله ، أي يسعون فيها سعي فساد ، أو مفسدين في سعيهم لما صلح من أمور الناس ، في نظام الاجتماع وأسباب المعاش . والفساد ضد الصلاح ، فكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحا نافعا يقال إنه قد فسد . ومن عمل عملا كان سببا لفساد شيء من الأشياء يقال إنه أفسده ، فإزالة الامن على الأنفس أو الأموال أو الاعراض ، ومعارضة تنفيذ الشريعة العادلة واقامتها - كل ذلك افساد في الأرض . روى عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ان الفساد هنا الزنا والسرقة وقتل الناس واهلاك الحرث والنسل . وكل هذه الاعمال من الفساد في الأرض ، واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد بأن هذه الذنوب والمفاسد لها عقوبات في الشرع غير ما في الآية ، فللزنا والسرقة والقتل حدود ، واهلاك الحرث والنسل يقدر بقدره ويضمنه الفاعل ، ويعزره الحاكم بما يؤديه اليه اجتهاده . وفات هؤلاء المعترضين ان العقاب المنصوص في الآية خاص بالمحاربين من المفسدين ، الذين يكاثرون اولي الامر ، ولا يذعنون لحكم الشرع ، وتلك الحدود انما هي للسارقين والزناة افرادا ، الخاضعين لحكم الشرع

--> ( 1 ) الشرع يخاطب المسلم بحقوق اللّه والناس ، والذمي والمعاهد بحقوق الناس فقط .